مقالات

استراتيجيات مهمة لتصميم نظم المعلومات الصحية

في الأسبوع الماضي قامت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة و بالتعاون مع وزارة الصحة بإطلاق المرحلة الأولى من مبادرات التحول الرقمي ( فكرة ) Fakrah_tech# . المبادرة تهدف إلى إشراك جميع فئات المجتمع للمساهمة في تقديم حلول إبداعية تعتمد على تقنية المعلومات لمواجهة أبرز التحديات في قطاع الصحة وهي الأمراض المزمنة ، وعلاج الحالات الطارئة ،و تغيير نمط الحياة.

هذه المبادرات تأتي ضمن أهداف ومبادرات رؤية ٢٠٣٠ في التحول لمجتمع رقمي و تحسين الرعاية الصحية ، ونظراً لأن مشروع فكرة في مرحلتها الأولى يستهدف استقطاب الأفكار في نظم المعلوماتية الصحية ، فإنه من المهم لمطوري الأفكار والمشاريع اتباع مجموعة من الاستراتيجيات التي سأناقش بعضها في هذا المقال.

في البداية أحب أن أنوه أن توظيف التقنية في الرعاية الصحية عملية ليست سهلة من حيث طبيعة وتشكيل النظام الصحي وطريقة اتخاذ الإجراءات الصحية وحساسية البيانات المستخدمة وخطورة التعامل مع الحالة المرضية الحرجة وطريقة الدفع والمطالبات المالية للعملية الصحية، وهو يختلف في طبيعته عن المجالات الأخرى كالتجارة الالكترونية أو التعليم الالكتروني أو تطبيقات الحكومة الإلكترونية.

لذلك سوف نذكر هنا أبرز الاستراتيجيات الواجب إتباعها من قبل المطورين و التقنيين والمهتمين في تحسين الرعاية الصحية من خلال التقنية :

  • التحديد الدقيق للمشكلة والفئة المستهدفة

تتنوع المشاكل الصحية في أشكال وأنماط مختلفة لا حصر لها وتختلف درجة أهميتها بحسب تأثيرها المباشر على صحة الفرد و جودة الحياة وأثرها الغير مباشر على الاقتصاد والمجتمع ، فهناك أمراض مزمنة يمكن العيش معها لكنها تحتاج لوسائل لمساعدة المريض في التعايش معها وأمراض تصيب الجهاز العقلي أو المناعي للمريض تحتاج لمتابعة ورصد لحالة المريض لفترات طويلة ، و قد تكون على شكل اضطرابات نفسية تصيب الإنسان بين فترة وأخرى أو تكون أنماط غير صحية يمارسها الشخص ، في المقابل تتنوع التقنيات القابلة للاستخدام في مواجهة هذه الأمراض مثل ( تطبيقات الهواتف الذكية ، الساعات الذكية ، نظارات جوجل ، أجهزة الاستشعار المثبتة في الجسم ، سوار مراقبة النبضات والنشاط البدني والطب الاتصالي).

لذلك يجب التأكيد على أنه لا يمكن تعميم حل واحد مناسب لكل المشاكل الصحية، ولا بد من التعاون الوثيق بين التقنيين و الصحيين لدراسة أبعاد المشكلة المراد تطوير نظم معلوماتية لحلها وأثرها الحالي والمستقبلي على صحة المريض ، ودراسة جدوى استخدام هذه النظم من جميع الجوانب الإكلينيكية و الاقتصادية و الاجتماعية.

  • ضمان سرية البيانات الطبية للمريض و مقدم الرعاية الصحية

البيانات في القطاع الصحي تعتبر المصدر الأساسي والمرجع الأولى قبل أي إجراء طبي ، فالتاريخ المرضي للمريض مثلاَ عاملاً مهماً في تحديد ماهو الإجراء المناسب للمريض. لذلك يجب اعتبار ضمان سرية و موثوقية البيانات الصحية مطلباً أساسياً عند التصميم لضمان عدم تسريب البيانات أو سرقتها بالكامل أو السماح لغير المخولين بالاطلاع عليها. وتزداد أهمية هذا المطلب عند ربط البيانات بالأنظمة التقنية لمقدمي الرعاية الصحية كالمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

  • تلقائية توليد البيانات وعرضها وسهولة تبادلها بين النظم الصحية

تعتبر عملية جمع و توليد البيانات في العمل الصحية عملية صعبة ودقيقة ، حيث تتفاوت حساسية هذه البيانات درجة سريتها وارتباطها بشكل مباشر وغير مباشر بالقرار الطبي مثل ( البيانات الشخصية والعلامات الحيوية والتاريخ المرضي للمريض و لعائلته و الإجراءات والتحاليل التي قام بها والأدوية والتواصل مع الطبيب ). لذا يجب على المصممين دراسة نوعية البيانات وطريقة جمعها سواءً كان عند إدخالها أو حفظها أو نقلها من الأجهزة الطرفية ( كالجوال ، أو جهاز الاستشعار الذكي ، أو الأجهزة اللوحية ، أو تطبيقات الويب ) إلى الطرف الآخر ، أيضاً يفضل دائماً التقليل من الاعتماد على الإدخال اليدوي للبيانات واستبدالها بالتقنيات المتاحة ( كالماسح الضوئي والتسجيل التلقائي (Passive Data Collection) التسجيل الصوتي ).

  • الاهتمام بتصميم واجهات المستخدم ( User Interface ) وتعزيز تجربة المستخدم ( User Experience )

تعتبر واجهة المستخدم (UI) عاملاً مهماً في نجاح تطبيقات الجوال وتطبيقات الويب ،وبدأ الاهتمام بالوصول إلى أفضل تصميم ممكن لواجهة التطبيق يزداد في مجالات كثيرة مثل التعليم والتجارة الإلكترونية والألعاب لما له من أثر فعال في مداومة الاستخدام للتطبيق أو الخدمة المقدمة من خلاله. لذلك يجب التخطيط للحصول على أفضل واجهة ممكنة بدراسة الفئة المستهدفة من التصميم ودمج المصممين في مرحلة مبكرة من مراحل التصميم لتعزيز تجربة العميل ورفع نسبة الاستخدام.

  • التكامل والتجانس والتبادل مع النظم الطبية الأخرى

كما ذكر في الاستراتيجية الأولى أن تحديد المشكلة بشكل دقيق والفئة المستهدفة عاملين مهمين لنجاح التطبيق ، كما أن التكامل والتجانس مع النظم الطبية وإمكانية تبادل البيانات مع النظم الأخرى الصحية عامل مهم ومكمل لهذه الاستراتيجية. فكما هو معلوم أن المستشفيات تضم عدداً كبيراً من نظم المعلومات الصحية والإدارية والتي تتكامل فيما بينها لتحقيق جودة عالية للرعاية الصحية وتتيح تتبادل أسرع وأسهل للبيانات فيما بينها لدعم آلية اتخاذ القرار. لذلك يجب التخطيط مبكراً للطريقة المثلى في كيف تدعم هذه الخاصية بين التطبيق الصحي المقترح وبين مجموعة النظم الصحية بهدف رفع الأداء وعدم تكرار إدخال البيانات والتقليل من الاعتماد على الورق.

ختاماً ، هذا عرض سريع لأهم الاستراتيجيات الأساسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند الرغبة في تطوير تطبيقات ونظم صحية في مجال الرعاية الصحية تضاف إلى غيرها من الاستراتيجيات العامة في تطوير نظم المعلومات.

لماذا تفشل مشاريع تقنية المعلومات بالقطاع الصحي؟

 

حسب دراسة أجريت لمشاريع تقنية المعلومات في المنظمات الصحية في المملكة العربية السعودية فإن معدل نسبة فشل هذه المشاريع تتجاوز 75%، وبالرغم من أن نتائج الدراسة قريبة من المعدل العالمي حيث تصل نسبة فشل المشاريع التقنية أكثر من 65% إلا أن الباحث أوضح أنه ينبغي الأخذ بالاعتبار أن مشاريع تقنية المعلومات الصحية تختلف عن غيرها لاعتبارات عديدة لعل من أهمها اختلاف بيئة العمل، وتنوع الأجهزة المستخدمة في الرعاية الصحية، والحاجة إلى عملية ربط وتكامل معقدة بين الأجهزة والأنظمة، بالاضافة إلى كثرة وتنوع الأشخاص الذين تخدمهم مثل هذه المشاريع من المدراء إلى المختصين الصحيين وصولاً للمرضى. وقد أشار الباحث إلى مجموعة من الأسباب الرئيسية التي قادت اغلب المشاريع للفشل.

وقبل استعراض الأسباب لعلي أشير أيضاً لأمثلة أخرى شهيرة عن فشل مشاريع كبيرة جداً وفي دول متقدمة تقنياً، وأبدأ بالمثال الأشهر وهو مشروع البرنامج الوطني لتقنية المعلومات  The National Program for ITو اختصاراً   NPfIT التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، فقد أعلنت الهيئة عام 2011 ايقاف هذا المشروع الذي وصف بـ أضخم مشاريع تقنية المعلومات على الاطلاق بتكلفة تجاوزت 12 مليار باوند (أكثر من 45 مليار ريال سعودي). وبالرغم من أن فشل هذا المشروع كان خيبة أمل لمتخصصي الصحة الإلكترونية حول العالم، إلا أن هناك بعض المتخصصين البريطانيين الذين توقعوا فشله مبكراً لأسباب كثيرة.

 

 

 


وفي استراليا أعلن عام 2012 عن الغاء مشروع HealthSMART التابع لولاية فيكتوريا بعد تسع سنوات من الإعلان عنه، وقد بلغت تكلفة المشروع 566 مليون دولار استرالي (أكثر من مليار ونصف ريال سعودي)، وبالرغم من أن المبلغ أقل من مبلغ المشروع البريطاني إلا أنه يظل مبلغاً كبيراً. وحتى في أمريكا لازال هناك الكثير من الجدل حول خطة الرئيس الأمريكي السابق أوباما لإنفاق مبلغ 30 مليار دولار أمريكي لدعم مشاريع التحول التقني هناك ولانعلم مالذي سيحل بها بعد مجيء الرئيس ترامب.

 

 

 


إذن هناك حالات فشل متكررة لمشاريع تقنية المعلومات الصحية بالرغم من توفر دعم مالي كبير، و سنناقش الآن مجموعة من الأسباب تؤدي لفشل مشاريع تقنية المعلومات الصحية والتي تم ذكرها  في الدراسة حول المشاريع في السعودية و نضيف لها أسباب أخرى:

  • تخطيط غير دقيق: وهذا العامل كان العامل الرئيسي لفشل مشاريع تقنية المعلومات الصحية في السعودية وهو أن مدى المشروع لم يكن واضحاً لدى المنظمات، أو أن الأهداف التي وضعت كانت أكبر من الميزانية المرصودة للمشروع أو من الصعب تحقيقها كما حدث مع مشروع NPfIT البريطاني ومشروع HealthSMART الاسترالي. وكلما ازداد حجم المشروع زادت صعوبة قياس مدى تحقيق أهدافه. عدم دقة التخطيط تؤدي أحياناً إلى توقعات غير صحيحة، مثلاً مشروع NPfIT أشارت التوقعات المبدئية له على أن تكلفته 2 مليار باوند فقط لكن بعد فترة وصلت التكلفة إلى أكثر من 12 مليار باوند.
  • تحليل غير جيد للمخاطر: وهذا السبب كان السبب الثاني لعدم نجاح مشاريع تقنية المعلومات الصحية بالسعودية، حيث لم يتم الأخذ بالاعتبار لبعض الإشكاليات الرئيسية التي قد تواجه تشغيل الأنظمة خصوصاً ما يتعلق بترابط الأنظمة والبيانات وتوافقها واتساقها مما أدى إلى بذل مزيد من الوقت والجهد والمال لحل هذه الإشكاليات.
  • عدم تلبية الاحتياجات الفعلية: تتعامل الأنظمة الطبية عادة مع أصحاب المصالح Stakeholders متعددين والمقصود هنا مختلف الأشخاص الذين لهم علاقة بالنظام أو المشروع، فوجهة نظر المدراء واحتياجاتهم قد تختلف عن الأطباء والمرضى وغيرهم ممن لهم علاقة بالنظام، وهو مما يزيد من صعوبة تنفيذ المشاريع التقنية في المنظمات الصحية. فمثلاً  أحد أسباب فشل مشروع HealthSMART  الأسترالي هو أنه لايناسب احتياجات مجموعة كبيرة من المختصين الصحيين خصوصاً في المناطق الريفية والصغيرة.
  • تواصل غير فعال communications issues: تفشل المشاريع التقنية عادة لأن التواصل بين من لهم علاقة بالمشروع ضعيف وغير فعال، وقد يكون التواصل ضعيف داخلياً بين الفرق القائمة على تنفيذ المشروع أو بينهم وبين المستخدمين النهائيين للمشروع.
  • إدارة تغيير غير فعالة: يصاحب تشغيل الأنظمة التقنية تغييراً في بعض أنظمة العمل مما يتطلب تغييراً في عادات العمل لكثير من المستخدمين، وهذا التغيير يواجه بمقاومة. بل تشير بعض الدراسات أن مقاومة التغيير تؤثر سلباً على نجاح مشاريع تقنية صحية في السعودية كمشاريع السجلات الصحية الإلكترونية. ولتفادي مقاومة التغيير يتطلب وجود إدارة فعالة للتغيير تقوم باتخاذ الإجراءات المناسبة للتشجيع على استخدام النظام الجديد وتفادي المقاومة المتوقعة للتغيير.
  • عدم اشراك المستخدم النهائي: وهذا السبب كان أحد أسباب فشل مشروع NPfIT حيث أشارت التقارير أن عدم إشراك المختصين الصحيين والأخذ بملاحظاتهم والاستماع لمخاوفهم خلال مراحل المشروع يفقدهم حماسهم ويعد من الأسباب الرئيسية لفشل المشروع.
  • دعم غير كاف من الإدارة العليا: والدعم المطلوب هنا ليس فقط دعماً مالياً بل دعم بتوفير الوقت والموارد المناسبة سواء كانت بشرية أو تقنية، ويشمل هذا الدعم التواصل الدائم مع أعضاء فريق العمل ومع المستخدمين النهائيين وكذلك الشفافية التامة حول المشروع وتفاصيله المختلفة.

ختاماً ، مشاريع الصحة الإلكترونية معقدة وتحتاج الكثير من العمل والخبرات ، لكن هذا لايعني انها مستحيلة ! 


المصادر: مصدر (1) ، مصدر (2) ، مصدر (3) ، مصدر (4)