مقالات

الهوية الطبية الرقمية !

تلعب التقنية اليوم دورا محوريا في تسيير الكثير من الأعمال والمهمات ،واختصار العديد من الإجراءات البشرية في كافة قطاعات الحياة.

فمن أتمتة الإجراءات الروتينية في القطاع الحكومي مرورا بالحكومة الالكترونية وصولا إلى الحكومة الذكية ، وما يتضمن ذلك من تحولات متميزة في القطاع المصرفي والتعليمي والإعلامي …وانتهاءً بالمجال الصحي الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذه المقالة .

إذ ساهمت التقنية خلال العقود الماضية في رفع كفاءة الآداء الطبي ،وسرعة اتخاذ القرار؛ لسهولة الوصول للمعلومة بشكل دقيق وسريع .

كما ساهمت في تطوير كافة المجالات الطبية ، وعززت مفهوم” التغذية الراجعة” من البيانات المستخلصة من الواقع الطبي إلى الأبحاث والدراسات الطبية بما يعود على الصحة العامة بالنفع الكبير .

ففي مجال السجلات الطبية كان السائد إلى عهد قريب وجود ملف ورقي يحوي جميع الوثائق الطبية الخاصة بالمريض من نتائج مخبرية وفحوصات ،وصور لمختلف أنواع الأشعة، ومستندات عن الحالة، وتاريخها المرضي ؛مما يستدعي أرشفة هذا الكم الهائل من الورقيات والمتزايد مع الوقت في حينه ، مع الأخذ بعين الاعتبار الوقت والجهد في استخراج الملف الورقي من بين آلاف الملفات المؤرشفة عند وجود مراجعة أو زيارة لصاحبه .

أضف إلى ذلك حتمية وجود مرافق كبيرة تتسع لهذه الملفات المتزايدة يوما بعد يوم ،وما في ذلك من خطورة في تعرضها للتلف أو للحريق أو ماشابه وبالتالي حصول كارثة معلوماتية في مرفق حساس ؛لذا جاء تحول المؤسسات الصحية إلى الأنظمة الالكترونية ليحدث ثورة هائلة في مسيرة عملها . فأصبح الملف الورقي عبارة عن ملف الكتروني يتم استعراضه في لحظات ،وبشكل أسرع وأكثر دقة ، مع تغذيته وتعديل محتوياته بشكل سلس وآمن، مما يعود بشكل إيجابي على الحالة المرضية وسير الإجراءات الطبية المتعلقة فيها .

كما أن هذا التحول جعل هذه المؤسسات تهتم بكفاءة هذه الأنظمة،وسرعتها ومدى مرونتها ودقتها، وما يمكن توفيره لها من طواقم فنية متخصصة في نظم المعلومات، وبيئة مادية تستوعب العديد من الأجهزة الحاسوبية المتطورة .تربطها شبكات متقدمة تخضع لسياسات صارمة في سلامة وأمن قواعد البيانات والتي تنشأ من سيل يومي لا يتوقف من المعلومات في المجال الطبي بشكل عام وملفات وبيانات المرضى بشكل خاص .

ولأن العامل البشري هو المحرك الأساس للتقنية ، وهو المستخدم النهائي لها والمؤثر فيها ، استدعى أن يكون الكادر المسئول عن إدخال بيانات المرضى مؤهلا بامتياز وقادراً على المساهمة بشكل مباشر في بناء قاعدة بيانات سليمة من الأخطاء والتكرار والنقص بعيدا عن الفوضى واللامبالاة في عمليات الإدخال ومعالجة البيانات بما يعود على المنشأة الطبية بالجودة المطلوبة لأداء رسالتها بشكل إيجابي وفعال .

وبالتالي يستلزم لذلك الضبط والرقابة الإدارية لعمليات الإدخال والتعديل على السجلات تفاديا لتكرار الملفات الطبية للمرضى وتداخلها وعدم تمييزها والذي ينتج عنه مايلي :

  • تأثر التاريخ المرضي للمريض وتشتت معلوماته .
  • تأخر الكوادر الطبية في اتخاذ القرار.
  • حدوث الأخطاء الطبية لتشابه الملفات والحالات .
  • التضخم السلبي لقواعد البيانات وصعوبة تنقيحها فيما بعد .
  • تعدد الإجازات المرضية والتقارير الطبية الغير مستحقة للمراجعين .

هذه النتائج السلبية وغيرها من آثار تكرار الملفات يمكن تقنين حدوثها بل وجعلها تختفتي مع الوقت عندما يتم توحيد الملفات الالكترونية وجعل هوية المريض الشخصية هي “الهوية الطبية الرقمية” والمفتاح الفريد الذي لا يمكن تكراره.

في هذا الصدد كان لنا تجربة قبل عامين في أحد المجمعات الطبية بجدة ، إذ كانت للملفات المتكررة والمتعددة للمريض الواحد سلبيات كثيرة وخاصة عند منحه إجازة مرضية أو تقريرا طبيا .إذ مع تحول منظومة العمل في المجمع لنظام إلكتروني متكامل من لحظة دخول المريض المجمع مرورا بالعيادات والأقسام التشخيصية وانتهاء بالصيدلية تمت أتمتة بقية الإجراءات الطبية إلى إلكترونية تفاديا للأخطاء وسعيا للوصول إلى سرعة الاستعلام عن البيانات .

حيث واجهتنا مشكلة ضبط الإجازات المرضية للمرضى بسبب تعدد الملفات لبعضهم وتكرارها وذلك عندما كانت يتم إصدارها ورقيا بدون ربطها مع النظام .لقد كان من السائد عندنا وعند الجهات الطبية الأخرى أن يأتي المريض برقم جوال معين في زيارته الأولى ، وفي الأخرى بجوال آخر أو لقب عائلة مختلف عن الأول ، أو ينسى أن له ملفا من قبل. إلى غير ذلك من الثغرات الاجراءية عند فتح الملف الطبي والتي قد يستغلها المريض بقصد أو بدون قصد، أو يكون المستخدم للنظام لم يستخدم البحث الدقيق عن الملف .

نتجية لذلك قد يتم منح المريض إجازة مرضية لا يستحقها لاختلاف رقم الملف عن آخر إجازة استحقها من قبل ، كما يجعل هذا التكرار مربكا للكادر الطبي عند تقييم الحالة المرضية ودراستها بسبب تشتت بياناته الطبية بين عدة ملفات .

لأجل ذلك كله وإيمانا منا بحساسية البيانات الطبية وأهمية صحتها ،ورغبة منا في سلامة بياناتنا ودقتها وضمان جودتها ؛ قمنا بتخصيص رقم (الهوية الوطنية) للمواطن ورقم (هوية مقيم) للمقيم ليكون هو الهوية الطبية كونه رقما فريدا وحقلا مميزا لا يمكن تكراره أبدا في قاعدة البيانات.إذ أن جميع البيانات المدخلة في ملف المريض قابلة للتعديل وللتحديث ، لكن رقم الهوية (السجل المدني) ورقم هوية المقيم مرتبطان ارتباطا وثيقا بالشخص طيلة حياته وفي جميع معاملاته وشئونه في الحياة مع دخول عصر التقنية ، أما رقم الجوال فمن الطبيعي تغيره وكذلك الحي السكني ورقم الهاتف وغيرها من الحقول التعريفية .

وهكذا فعن طريق رقم الهوية للمريض يتم الاستعلام عن ملفه الالكتروني وإصدار الفواتير والكشفيات والفحوصات والوصفات والتقارير والإجازات دون وجود أي تداخل مع ملفات أخرى، ولا يمكن بأي حال إنشاء ملف جديد بنفس رقم الهوية المدخل مسبقا ، مع التأكيد بالطبع على ضرورة مطابقة رقم الهوية المدخل سلفا عند المراجعة .إن توحيد طريقة إدخال الملفات وإجبار المستخدم على إدخال رقم الهوية مكننا من ضبط حركة الملفات ،والتخلص من تكرارها ،وتحسين جودة البيانات المدخلة ودقتها ،ونمو قاعدة البيانات بشكل صحيح ومنطقي .

أخيراً من المهم التنويه هنا على تأكيد الوزارات المعنية كالصحة والداخلية الدائم للجهات الصحية بمختلف قطاعاتها طلب الهوية الشخصية لأي مراجع وفي جميع الحالات للعديد من الأسباب لعل من أهمها أن تكون معياراَ موحدا ومفتاحا فريدا لهويته الطبية الرقمية بين مختلف القطاعات الصحية.