دور المعلوماتية الصحية في الأنظمة الصحية

مع مرور الوقت ستتزايد أعداد خريجي قسم المعلوماتية الصحية من الجامعات مما سيُشكل توظيفهم في المكان المناسب عائقاً لدى العديد من المنشآت الصحية لعدم فهِم طبيعة عمله ودوره في الأنظمة الصحية، وكونهِ يتداخل في كثيرٍ من التخصصات الطبية الأخرى سيكون الأمر معقداً نوعاً ما مالم يتم وضع معايير خاصة بهذا القسم والتعريف به وبدوره بشكل صحيح.  ومن خلال هذا المقال سأُحاول قدر الإمكان أن أوضح هذا الدور بشكل بسيط لكي يسهل على مرتادي وخريجي هذا التخصص من معرفة دورهم وأهميته في المنشآت الصحية.

عند التمعن في رؤى المملكة العربية السعودية 2030 نجد أن وزارة الصحة سعت جاهدة إلى إطلاق العديد من المبادرات الصحية التي تخص برنامج التحول الوطني 2020 من أجل استحداث نظام صحي متكامل يستوعب كافة الاحتياجات الصحية الحالية والمستقبلية لكافة الفئات. ومع هذه المبادرات ستتزايد كثرة أقسام المعلوماتية الصحية في المنشآت الصحية، فدوره لا يقل بأي جزء عن تلك الأقسام والتخصصات الصحية الأخرى في هذه المنشآت، ولكن: هل وظيفتها واضحة؟ وما المسؤوليات التي لديهم؟ وما هي المهارات التي يجب على الممارسين (المهنيين) إظهارها وإتقانها؟

ليس هناك شك في أنّنا الآن نعيش ثورة تكنولوجية معلوماتية ضخمة قد استطاعت بكل قوة أن تُهيمن على جميع المجالات بما في ذلك الصحة، فبالإضافة إلى النمو المتسارع في معرفة المجال الصحي في ظل تكنولوجيا المعلومات الجديدة يجب أن تكون لإدارة البيانات الصحية القدرة على دمج كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالمرضى، ليس فقط وحسب السجل الطبي والصحي الإلكتروني EHR/EMR ونظم المعلومات الصحية HIS، ولكن أيضًا تلك البيانات التي يشاركها المرضى عند استخدامهم للتكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي.

فهناك من يقول بأنّ “الحوسبة هي واحدة من أهم الخطوات في عملية إدارة المعلومات”.. فهل هذا سيئ؟، بالطبع لا. فالمعلومات هي القوة، وفي هذه الحالة ستكون البيانات مصدر مفيد للجميع سواءً للمرضى أو لمقدمي الرعاية الصحية. أضف إلى ذلك، فإن حوسبة نظام المعلومات الصحية والسجلات الطبية الإلكترونية وُجدت للمساعدة في العملية الصعبة المتمثلة في التعامل مع المعلومات من بيانات الجودة، الدقة، البيانات الكاملة والمُحدثة، وتحسين جودة الرعاية، والسماح بتطوير وتنفيذ نظم دعم صنع القرار (CDSS)، وتمكين تطوير برامج الرعاية الطبية، فضلاً عن الرجوع للدراسات البحثية بشكل يسير.

وأيضاً، هناك قائمة دقيقة من المشاكل تُسهِم في تسهيل العمليات الإدارية وعمليات الفوترة للنظم الصحية التي تعتبرها بعض الدراسات أنها يُمكن أن تكون مفيدة للمرضى الذين يُمكن الاتصال بهم من خلال الشبكات الاجتماعية، أو مع المرضى الآخرين الذين لديهم مشكلة مشتركة. فالحوسبة مهمة جداً في عملية إدارة المعلومات بطريقة منظمة وبسيطة كما هو الحال عند تطبيق EHR/EMR.

وبهذا المعنى نجد أنّ العديد من المعايير الدولية مثل اللجنة المشتركة تنصح بذلك لأنها تساعد على وضعها في موضع التنفيذ، بالإضافة إلى المستوى الصحي السابع (HL7)، والمعهد الطبي (IOM) والرابطة الأمريكية لإدارة المعلومات الصحية (AHIMA – جمعية المعلومات الصحية الأمريكية) جنبا إلى جنب مع البرامج الحكومية مثل قانون HITECH في الولايات المتحدة وما شابه ذلك في بلدان أخرى لديها سياسات ومبادئ توجيهية للمساعدة في عملية تنفيذ EHR/EMR، من أجل تحسين عملية الحصول على المعلومات الصحية ومعالجتها واستعادتها وقت الحاجة.

وفي هذا السياق، من السهل استيعاب حقيقة أن هناك حاجة ماسة إلى دور جديد في فريق الصحة. دور يُحول الرعاية الصحية من خلال تحليل وتصميم وتنفيذ وتقييم نظم المعلومات والاتصالات، التي تهدف بدورها إلى تحسين النتائج الصحية الفردية والسكانية، وتحسين جودة الرعاية، وتعزيز علاقة الطبيب والمريض وهذا الدور يجب على أخصائي المعلوماتية الصحية أن يُغطيه بشكلٍ كامل.

ماذا تفعل المعلوماتية الصحية؟

تقوم المعلوماتية الصحية على استخدام مصدر طبي يمتلك معرفة واسعة عن الرعاية الصحية والعمليات السريرية والتدريب على الحاسب الآلي من أجل:

  •  تلبية الاحتياجات من المعلومات للأطباء والمرضى.
  •  تحليل العمليات السريرية.
  •  تصميم وتطوير وتنفيذ نظم دعم اتخاذ القرارات السريرية
  •  العمل من أجل تحسين نظم المعلومات الصحية.
  •  الكشف عن استخدامات وخصائص وفوائد المعايير الدولية وتطويرها وتطبيقها.
  •  العمل بشأن المسائل المتصلة بالهيكل التنظيمي وإدارة التغيير.
  •  التحليل والتوصية والمساعدة في تنفيذ أفضل الأنظمة الإلكترونية وفقًا لمتطلبات المنشأة.
  •  المساهمة في معرفة المجال من خلال المشاركة في الجمعيات والمؤتمرات والبرامج التعليمية.

فمع تشتت هذه المهام، وعلى الرغم من أن العديد من المنشآت قد أنشأت إدارات للمعلومات وأقرت بأهمية تعليم الممارسين الصحيين الذين يمكنهم العمل على تحقيق الهدف المتمثل في نوعية البيانات، فإنه ليس من غير المألوف أن يكون دور المعلوماتية الصحية هو الخلط بينه وبين بعض التخصصات الأخرى أو غيرُ واضحٌ للبعض.

وبالتالي، نجد أنه من الصعب أيضاً فهم المهارات التي يجب أن تكون لدى أخصائي المعلوماتية الصحية. لذا من المثير للاهتمام استخدام تحليل المهارات المهنية وفقاً لنموذج جاردنر وآخرون، والذي يُغطي ثلاثة مجالات من ذلك النشاط:

  • الرعاية السريرية (أي معرفة الممارسات السريرية التي قد يتلقاها المريض).
  • النظام الصحي (الهياكل والعمليات والصحة العامة والتعليم والأبحاث).
  • تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (الأدوات والتقنيات التي تتيح التقاط البيانات وتخزينها ونقلها واسترجاعها).

فالأمر ليس سهلاً، وليس من غير المألوف أن يتم الخلط بين الأدوار، فكيف يُمكن حل هذا الأمر؟

إنّ تنظيم الأمور مُترتب على تنظيم المسؤوليات، لذلك يمكن حل تلك المعضلة باتباع نموذج ديميك المتضمن ثلاثة مجالات:

  • أولاً – إدارة المعلومات: هو المجال المسؤول عن إنشاء إطار وخطة استراتيجية تسمح للمنشأة بتحقيق الأهداف المخطط لها فيما يتعلق بتكنولوجيات المعلومات، وتكون لديه مسؤولية القيادة التنفيذية والتركيز على الأهداف الاستراتيجية.
  • ثانياً – حكومة تكنولوجيا المعلومات [IT]: هو المجال الذي يرتكز عمله على المعايير والسياسات وتحليلات المنشأة من أجل التوصية بأفضل استثمار في تكنولوجيا المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، هو المسؤول عن تنفيذ ووضع خطط لقياس الفائدة.
  • ثالثاُ – حوكمة البيانات: في نهاية الأمر تعتبر حوكمة البيانات أكثر المناطق التشغيلية، فهذا المجال مسؤول عن التحكم في دورة حياة البيانات بأكملها للحصول على أفضل جودة ممكنة، كما أنه المسؤول عن التوصية بتطبيق التصنيفات والمعايير ومراجعة جودة البيانات.

فمتخصصي المعلوماتية الصحية يعرفون أوجه التقدم في تطبيق تقنيات تحليل البيانات، مما يُساعد على التعامل مع مجموعات كبيرة من المعلومات. وتشير بعض التقديرات إلى أن معظم البيانات الصحية موجودة في شكل غير منظم والنسبة الكبرى منها فقط نص. وهكذا فإنه من السهل أن نفهم أننا بحاجة إلى التكنولوجيا والاستراتيجيات والتوصيات التي تساعدنا على المضي قدما في عمليات تحسين المعالجة واسترجاع هذه المعلومات. وبمساعدة المعايير الدولية في تنفيذ هذه المهام تضمن هذه المعايير فرصة تطبيقها بشكل صحيح وسليم لتكون قابلة للتشغيل المتبادل وإدارة البيانات بطريقة ملاءمة وسهلة.

فالتقدم الملموس في التقنيات التي تعمل على تحسين البيانات، مثل Data Analytics و Business  و Clinical Intelligence، ستُفيد المرضى ومقدمو الخدمات في توسيع القدرة على توليد المعارف الجديدة، والمساعدة في نشر المعرفة، وترجمة مبادرات الطب في الممارسات السريرية مما يُتيح التحول في تقديم خدمات الرعاية الصحية بتوفير معلومات مباشرة للمرضى، ومنحهم القدرة على لعب دور أكثر نشاطًا في الرعاية الصحية، مما يسمح بتنفيذ برامج صحية أفضل وتطوير أنظمة دعم لاتخاذ القرارات السريرية، والتنبؤ بمخاطر معينة تُسهِم في تسهيل العملية الإدارية.

ومن الناحية الإحصائية والوبائية، فإنّ استخدام البيانات بالاقتران مع غيرها من تقنيات معالجة المعلومات الأخرى، يمكن أن يُساعد في تحديد مدى الانتشار ومعدل الحدوث والبيانات ذات الصلة، للمساعدة في إدارة المعلومات الصحية وإعطاء الأولوية للخطوات التي ينبغي اتخاذها وإعطاء فكرة عن “الأشياء” التي ينبغي أن يتوقعها أخصائي المعلوماتية الصحية تحسباً لأي أمر قد يحدث مستقبلاً.

ولمواجهة هذا الواقع، يجب العمل على قيادة التحدي المتضمنة في الكشف عن الانضباط، بغية الحصول على أفضل المتخصصين في مجال المعلوماتية الصحية لتنفيذ دورهم بكفاءة عالية لنيل الاعتراف بهم في فريق الرعاية الصحية، وبهذه الطريقة نستطيع تحسين استخدام الموارد والنتائج والعمل في إطار منظم.  وهذا بالطبع يتطلب فهم ورصد جميع المعلومات “دورة الحياة” من اللحظة التي تم فيها إنشاء البيانات (وقبل ذلك، إن كان لها علاقة بتطوير الأنظمة) لالتقاطها وتخزينها ومعالجتها، وكل ما يتعلق باسترداد هذه المعلومات). فكمية البيانات تنمو بشكلٍ كبير، وينبغي على الممارسين تطوير أنفسهم في التقنيات والعمليات والأدوات اللازمة لتحسين النتائج، والامتثال للمعايير الدولية والبرامج الحكومية والإقليمية من أجل تحقيق الهدف الرئيسي المُتمثل في الحصول على أفضل البيانات الممكنة لضمان صحة أفضل للمرضى.

 

المصادر: مصدر(1)، مصدر(2)، مصدر(3)، مصدر(4)، مصدر(5)، مصدر(6)، مصدر(7)، مصدر(8)،

مصدر(9)، مصدر(10)، مصدر(11)،مصدر(12)، مصدر(13)، مصدر(14)،  مصدر(15)، مصدر(16)، مصدر(17)

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *