ما هي الصحة الإلكترونية؟! (سلسلة تعريفية)

عادةً ما يصاحب مصطلح (الصحة الالكترونية) جانب التقنية المحضة التي قد يفهمها الكثير أنها التعامل التقني البحت بإدراج تقنية المعلومات في الصحة؛ والحقيقة أن مفهوم الصحة الالكترونية يتعدى كونه التقنيات الملبوسة أو أتمتة الأنظمة لغرض الهندرة فحسب، بل يشكل ركيزة أساسية في صحة الفرد والمجتمع بشكل مباشر وغير مباشر.
ومما لمسناه من أهمية لهذا الموضوع مع انطلاقة موقع الصحة الالكترونية، قمنا في هذا التحقيق الأول من سلسلة التحقيقات بالتركيز على مفهوم وماهية الصحة الالكترونية باستفاضة والوضع الحالي لها، مع التنويه على العقبات التي تحول دون تطبيقها في المنظمات الصحية في المملكة، بنظرة عدد من الخبراء والمخضرمين الأكاديميين والمتخصصين في مجال الصحة الإلكترونية في المملكة؛ حتى نضع للقارئ نظرة شاملة مقدَّمة في عدة محاور ليلمس من خلالها أهمية الصحة الالكترونية في حياتنا منذ نشأتها إلى يومنا الحالي. 

المحور الأول: ماهية الصحة الالكترونية؟!

يُبسّط د. موفق حوسة  أستاذ مساعد في المعلوماتية الصحية بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز الصحية بالرياض تعريف المعلوماتية الصحية بأنها استخدام أدوات تقنيات المعلومات والاتصال في الخدمات الصحية، على سبيل المثال: استخدام الملف الالكتروني في عيادات الأطباء في مراكز الرعاية الصحية الأولية، أو المستشفيات والمراكز التخصصية.

من جانب آخر يرى م. ظافر المبارك  المدير التنفيذي لتقنية المعلومات بمستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام أن الصحة الإلكترونية مفهوم عام يندرج تحته استخدام و تطبيق جميع أنواع تقنية المعلومات (البرمجيات والشبكات والإتصالات وغيرها) في قطاع الخدمات الصحية وفروعها، والاستفادة من هذه التقنيات في كل ما يعزز الصحة ويساعد على الوقاية من الأمراض ويدعم الأبحاث الطبية والسريرية.

ويُضيف د. حوسة أن متخصصي الصحة الالكترونية لا يبتكرون  بالضرورة تقنيات جديدة، بل يعيدون استخدام وتوظيف الأدوات المتاحة مثل الملف الطبي الالكتروني، الأجهزة الذكية المحمولة، وحتى الانترنت لضمان استخدام هذه الأدوات من قبل المرضى، والأطباء وحتى المدراء في تطوير الرعاية الصحية.

المحور الثاني: على ماذا يشتمل مصطلح الصحة الالكترونية؟

يشتمل مصطلح المعلوماتية الصحية كما يرى د. محمد خليفة  طبيب استشاري في المعلوماتية الصحية بمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة على تطبيقات كثيرة، من أبرزها السجل الطبي الإلكتروني، خاصةً النظام الموحد الذيي يحتوي على المعلومات والبيانات الطبية الخاصة بكل مريض وإتاحة نقل هذه المعلومات إلكترونياً و فوراً عن طريق شبكات البيانات بين المرافق الطبية المختلفة. كما يشمل المفهوم نشر وتبادل المعلومات الطبية بين المتخصصين والكوادر الطبية في إجراء العمليات الجراحية والرعاية الصحية عن بُعد، وهذا ما نسميه بالطب الاتصالي أو التطبيب عن بُعد وكذلك تقنيات التصوير الإشعاعي والرقمي، وذلك لأغراض قد تكون إكلينيكية، إدارية، أو حتى تعليمية تثقيفية إذا تعلق الأمر بنشر الوعي الصحي، بالإضافة إلى إمكانية تفاعل المريض نفسه مع معلوماته الطبية واتاحة الإمكانية له بالاطلاع على المعلومات واستخدامها بشكل إلكتروني كذلك.

ويضيف م. عبدالعزيز الخليف المدير العام لشؤون تقنية المعلومات بمستشفى الدكتور عبدالرحمن المشاري  أنه مع تقارب الجزئين الخاصين بالتقنية من الجهة المعلوماتية وجهة الأجهزة الطبية لتغطية الاحتياج؛ أصبحت العديد من الإجراءات التي كانت غير ممكن حلها من خلال الصحة الإلكترونية ممكنة ومتوفرة، مثل الوصول السريع واللحظي للتاريخ المرضي أو نتائج التحاليل المخبرية أو الأشعة وصولاً إلى مساعدة الصيادلة في صرف الأدوية بشكل آلي.

المحور الثالث: نشأة مفهوم الصحة الالكترونية

يعتبر هذا المحور منطقة اختلاف بين المتخصصين أنفسهم، وذلك لتعدد التجارب المختلفة التي ظهر فيها استخدام أدوات المعلوماتية الصحية، يذكر د. خليفة أن نشأة هذا المفهوم كان منذ أكثر من أربعين عاماً، أي مع بداية تطور الحاسبات الشخصية، ولكن المفهوم الحالي لم يتطور إلا بعد وجود الإنترنت في بداية التسعينات، أي منذ عشرين عام تقريبا. ومن جهة أخرى يذكر د. حوسة إلى أنه ومع تعدد الآراء في هذا الصدد، فإن فكرة تجميع البيانات ذات الدلالات السريرية قد تم منذ مئات السنين، لافتاً الانتباه إلى أن أول ورقة نُشرت من قبل طبيب أسرة أمريكي يُدعى د. بلايفاير في المجلة الطبية البريطانية عام ١٩٥١ م بعنوان (نظام حفظ السجلات في مركز صحي)؛ وقد تكون هذه المقالة باكورة المقالات التي تتناول أدوات الصحة الإلكترونية لعمقها في سرد معوقات تبني هذا النظام، والتي قد تشابه إلى حدٍ ما ما نراه اليوم في تطبيق الأنظمة الإلكترونية.

من جانب آخر يرى م. المبارك أن نشأة مفهوم الصحة الإلكترونية كان منذ بداية عصر الإتصالات، فمما ذكره أحد الأطباء الذين عاصروا فترة بداية استخدام الهاتف، قصة تشخيص أحد الأطفال الذي يسكنون في منطقة نائية بمرض السعال الديكي – الذي من أعراضه سعال مستمر له صوت مميز – عن طريق الهاتف، و على إثر ذلك التشخيص تم عزل الطفل عن بقية الأطفال للحد من انتشار المرض، حتى أصبح يُعرف الآن بأدوات (الطب الاتصالي).
فعند بداية ثورة الحوسبة في بداية الخمسينات الميلادية، بدأت فكرة “الكمبيوتر الطبي” بالظهور في الدراسات البحثية التي حاولت أن تطرح فكرة أن يقوم الكمبيوتر بالمساعدة في تشخيص بعض الحالات بناءً على معطيات ومدخلات محددة، لكن فكرة الصحة الإلكترونية لم تتحول من مسار البحث إلى مسار التطبيق إلا في بداية الثمانينات عندما ظهرت لغات برمجة جديدة ساعدت على إنشاء برامج خاصة ببعض الخدمات في العيادات والمستشفيات مثل الجدولة والمختبرات والأشعة؛ وقد أدى هذا التطور السريع في التقنية إلى إحداث تغيير ملموس في معظم المجالات الطبية باتجاه استخدام تقنية المعلومات والإتصالات، لكن المجال الطبي بطبعه لا يتقبل التغيير بسهولة، و لعل هذه الحقيقة هي أحد العوائق التي لم تسمح بإحداث تغيير شامل في المجال الطبي مثل بقية القطاعات التي اخترقتها التقنية بشكل شبه كامل مثل الاقتصاد والطيران والإتصالات وغيرها.

المحور الرابع: الواقع الحالي للصحة الإلكترونية في القطاعات الصحية بالمملكة

يذكر م. المبارك بدايات ومراحل الصحة الإلكترونية في المملكة، حيث تبنت جميع القطاعات الصحية بالمملكة فكرة تطبيق الصحة الإلكترونية في بدايتها حيث كانت الريادة لمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض عن طريق تأسيس المستشفى “الأوتوماتيكي” في السبعينات الميلادية ثم توالت مشاريع الصحة الإلكترونية في القطاعات الصحية العسكرية ووزارة الصحة والحرس الوطني والقطاع الصحي الجامعي وقطاع الخدمات الصحية بوزارة الداخلية؛ حيث تتمتع الكثير من المستشفيات الكبرى ببرامج صحية إلكترونية و تطبيقات مختلفة للصحة الإلكترونية والطب الإتصالي وبرامج أرشفة صور الأشعة وبرامج متخصصة للمختبرات وغيرها.

يصف د. حوسة المتخصصين في هذا المجال بالمملكة بادءاً بالمهندس حمد الداعج بالأب الروحي للصحة الإلكترونية في المملكة، يليه د. ماجد التويجري، أ.د. أحمد البراك، و د. بخيت الدوسري كمؤسسين مخضرمين للتخصص في المملكة، حيث كان لهم السبق في إنشاء برامج محلية على مستوى محلي لوضع أسس المتخصصين المهنيين ومواكبة الحاجة الوظيفية على مستوى المملكة.

ولكن الواقع الحالي من وجهة نظر م. المبارك يبقى أقل من الطموحات حيث مازالت تطبيقات الصحة الإلكترونية في بدايتها في كثير من المستشفيات و المراكز الصحية، فهناك العديد من المستشفيات التي لا زالت تعتمد على الملفات الورقية بشكل كامل وهناك أيضاً قطاع الرعاية الصحية الأوليّة الذي لا تكاد تطبيقات الصحة الإلكترونية فيه تُذكر.

ومن الجانب التعليمي والأكاديمي، يذكر د. حوسة أن هناك ثمانية كليات تخرّج متخصصين بدرجة البكالوريوس في المعلوماتية الصحية بعدد من الجامعات في كل من (الرياض، القصيم، جازان، حائل، ومكة المكرمة). ولكن التحدي في احتواء أفرع التخصص بالإضافة إلى التخصصات المساندة، مثل؛ نظم المعلومات الصحية، إدارة المعلومات الصحية، تقنية المعلومات الصحية، المعلوماتية الطبية الحيوية وغيرها. فمع هذه التفرعات داخل التخصص نفسه وجِدت عقبات أكثر في عدم معرفة التخصص وأهميته، وأثر المتخصصين والعاملين فيه على القطاعين العام والخاص، مما يوجب أن تكون هناك شراكات معرفية ووظيفية مع القطاعين الحكومي والخاص من شأنها خلق وإيجاد فرص وظيفية وتدريبية على مستوى محلي لحديثي التخرج من برامج البكالوريوس والماجستير.

الجدير بالذكر أن المملكة لديها كوادر متميزة في مجال الصحة الإلكترونية وتطبيقاتها وربما يكون الواقع الحالي أفضل فرصة لإستغلال الطاقات الكامنة لدى هذه الكوادر الشابة لخلق مستقبل أفضل في هذا المجال الواعد.

المحور الخامس: أبرز العوائق التي تمنع الإستفادة من الصحة الإلكترونية بطريقة مثلى في المملكة

يذكر م. المبارك بعض العوائق التي تقف في طريق تنمية مجال الصحة الإلكترونية في المملكة، ولعل التخطيط عبر القطاعات هو أول التحديات، حيث بقيت التطبيقات المهمة محدودة داخل المستشفيات الكبرى في كل قطاع ولم يتم التوافق على تكوين أو استخدام الملف الطبي الإلكتروني الموحد للمواطنين و المقيمين رغم وجود بعض المحاولات لعمل ذلك إلا أن معظمها ينتهي حبراً على ورق.

من العوائق أيضا مسألة توفر الكوادر، فبرغم تميز الكوادر الحالية إلا أن العدد قليل و لايتماشى مع الحاجة الفعلية للقطاع كما أن عملية الإبتعاث لم تكن ضمن خطة استراتيجية واضحة لجميع القطاعات بل كانت معتمدة على اجتهادات فردية أو لكل مؤسسة على حدة، و هذا بالضرورة يحد من انتشار تطبيقات الصحة الإلكترونية و مشاريعها، وقد حاولت الجهات الجامعية أن تقدم حلول محلية للتدريب، و فعلاً نجحت بعض الجهات مثل جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز في الحرس الوطني و جامعة الملك سعود في تقديم ما يحتاجه العمل من الكفاءات العلمية، إلا أن بعض البرامج الأخرى لم تحصل على نفس النجاح و كانت المخرجات أكاديمية بحتة تكاد تكون منفصلة عن الواقع العملي تماماً.

كما لا ينبغي لنا أن نغفل حقيقة هامة و هي التكلفة الكبيرة لمشاريع الصحة الإلكترونية في بدايتها، و يوافق ذلك م. الخليف أن العائد الإستثماري الفعلي لهذه المشاريع يحتاج إلى فترة طويلة ليظهر جدواه المالية على المنظمات.

المحور السادس: ابرز البرامج الحالية على مستوى المملكة في مجال الصحة الإلكترونية والمتوافقة مع رؤية المملكة ٢٠٣٠

لقد وضعت رؤية المملكة ٢٠٣٠ نقطة بداية جديدة للصحة الإلكترونية في المملكة، حيث جاءت خطة برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠ لتعلن بشكل واضح أنها تستهدف توحيد الملف الطبي الإلكتروني عبر القطاعات وجعله حقيقة لما لا يقل عن ٧٠٪ من السكان، وهي المرة الأولى التي يصبح فيها هذا البرنامج هدفاً استراتيجياً للقطاع الصحي بأكمله على مستوى المملكة.

و لا ينبغي أن يفوتنا ذكر جهود الزملاء في كافة القطاعات الصحية الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الإرتقاء بمستوى الصحة الإلكترونية بالمملكة عن طريق المشاريع الناتجة عن استرايجيات وزارة الصحة لتطبيق الصحة الإلكترونية في المملكة مثل برنامج (رابط) و هو المشروع الوطني لتطبيق السجلات الطبية الإلكترونية في مستشفيات و مراكز الوزارة و مشروع (صحي) لتوحيد معايير تبادل البيانات وتحضير منصة تبادل البيانات الوطنية والمشروع الوطني لتطبيق برامج أرشفة صور الأشعة التشخيصية ومشاريع توحيد البرنامج الطبي الإلكتروني في مستشفيات الحرس الوطني وغيرها من البرامج الضخمة التي تبنتها قطاعات صحية مختلفة بالمملكة.

 

3 ردود
  1. محسن عسيري
    محسن عسيري says:

    في جزئية البدايات هناك نقص بالمعلومة حيث تنقصكم الكثير من المبادرات التي تمت في المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية على يد خبرات وطنية فذة وخبراتهم تسبق الكثير ممن تم ذكرهم بالمقالة

    رد
    • محمد الحفظي
      محمد الحفظي says:

      شكراً لردك وإثراءك للموضوع أخي الكريم، آمل التواصل معنا وإثراءنا بالمعلومات المتوفرة لديكم إما عن طريق مشاركتها هنا أو بمقالة. فهدفنا إثراء المحتوى العربي بتجارتكم.

      رد
  2. Miad
    Miad says:

    1. لفت انتباهي أن البدايات كانت في المستشفيات التخصصية وزارة الداخلية والدفاغ والتعليم ..أين وزارة الصحة من هذا كله ؟!
    2.قد ذُكر من بعض العوائق في مجال الصحة الالكترونية مسألة الكوادر الصحية المؤهلة ! “أن هناك ثمانية كليات تخرّج متخصصين بدرجة البكالوريوس في المعلوماتية الصحية بعدد من الجامعات في كل من (الرياض، القصيم، جازان، حائل، ومكة المكرمة)” ثمان جامعات تُخرج لنا دفعات بهذا المجال فهل جميعها تكون مخرجاتهم نظرية فقط كما ذُكر ! وأين موقف هيئة التخصصات وهل فعلاً يتم اعطائهم المسمى الصحيح وإشغال المكان المناسب ، أعتقد موضوع يستحق البحث فيه!

    رد

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *